سيد محمد طنطاوي

334

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال بعض العلماء . وفي وصفه بالطراوة ، تنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى أكله ، لأنه يسرع إليه الفساد والتغيير . وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر المأكولات فسبحان الخبير بشؤون خلقه . . وفيه - أيضا - إيماء إلى كمال قدرته - تعالى - حيث أوجد هذا اللحم الطري النافع في الماء الملح الأجاج الذي لا يشرب . وقد كره العلماء أكل الطافي منه على وجه الماء ، وهو الذي يموت حتف أنفه في الماء فيطفو على وجهه ، لحديث جابر بن عبد اللَّه ، عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ما نضب عنه الماء فكلوه . وما لفظه الماء فكلوه ، وما طفا - على وجه الماء - فلا تأكلوه » . فالمراد من ميتة البحر في حديث : « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » ما لفظه البحر لا ما مات فيه من غير آفة » « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ) * بيان لنعمة ثانية من النعم التي تصل إلى الناس عن طريق البحرين . والحلية - بكسر الحاء - : اسم لما يتحلى به الناس ، ويتزينون بلبسه ، وجمع حلية : حلى وحلى - بكسر الحاء وضمها - يقال : تحلت المرأة إذا لبست الحلي . أي : ومن النعم التي تصل إليكم عن طريق البحرين ، استخراجكم منهما ما ينفعكم ، وما تتحلى به نساؤكم ، كاللؤلؤ والمرجان وغيرهما . والتعبير بقوله : * ( وتَسْتَخْرِجُونَ ) * يشير إلى كثرة الإخراج . فالسين والتاء للتأكيد . كما يشير بأن من الواجب على المسلمين ، أن يباشروا بأنفسهم استخراج ما في البحرين من كنوز نافعة ، وأن لا يتركوا ذلك لأعدائهم . وأسند - سبحانه - لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور ، فقال * ( تَلْبَسُونَها ) * على سبيل التغليب ، وإلا فإن هذه الحلية يلبسها النساء في الأعم الأغلب من الأحوال . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : * ( تَلْبَسُونَها ) * أي : تلبسها نساؤكم وأسند الفعل إلى ضمير الرجال ، لاختلاطهم بهن ، وكونهم متبوعين ، أو لأنهم سبب لتزينهن فإن النساء يتزين - في الغالب - ليحسن في أعين الرجال . . » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير المراغي ج 14 ص 61 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 113 .